سيد محمد طنطاوي
115
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والثاني : تفضيل أنفسهم على ربهم ، حيث جعلوا أوضع الجنسين له ، وأرفعهما لهم . والثالث : أنهم استهانوا بأكرم خلق اللَّه ، وأقربهم إليه ، حيث أنثوهم . ولو قيل لأقلهم وأدناهم : فيك أنوثة ، أو شكلك شكل النساء ، للبس لقائله جلد النمور ، ولا تقلبت حماليقه - أي : أجفان عينيه . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وهُمْ شاهِدُونَ ) * ، تقريع آخر لهم على جهالاتهم وسفههم ، حيث أضرب - سبحانه - عن الكلام الأول إلى ما هو أشد منه في التبكيت والتأنيب . أي : إنهم زعموا أن لربك البنات ولهم البنون ، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقنا الملائكة حتى يعرفوا أنهم إناث ؟ كلا إنهم لم يكونوا حاضرين وإنما هم يهرفون بما لا يعرفون . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ، سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ويُسْئَلُونَ « 2 » . قال صاحب الكشاف فإن قلت : لم قال : * ( وهُمْ شاهِدُونَ ) * فخص علم المشاهدة ؟ قلت : ما هو إلا الاستهزاء بهم وتجهيل . . وذلك لأنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة ، لم يعلموه بخلق علمه في قلوبهم ، ولا بإخبار صادق ، ولا بطريق استدلال ونظر « 3 » . ثم أخبر - سبحانه - عن كذبهم فقال : * ( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ . وَلَدَ اللَّه وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) * والإفك : أشنع الكذب وأقبحه . يقال : أفك فلان كضرب وعلم - إفكا وأفكا ، إذا كذب كذبا فاحشا . أي : ألا إن هؤلاء الكافرين . من شدة كذبهم ، وشناعة جهلهم ليقولون زورا وبهتانا : * ( وَلَدَ اللَّه ) * أي : اتخذ اللَّه ولدا * ( وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) * في ذلك كذبا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْه وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . وافتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح « ألا » لتأكيد قولهم ، وأنهم كانوا مصرين على هذا القول الذي لا نهاية لبطلانه . ثم كرر - سبحانه - توبيخهم وتقريعهم فقال : * ( أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ) * والاصطفاء : الاختيار والانتقاء . والاستفهام للإنكار والنفي ، أي : هل اختار اللَّه البنات على
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 63 . ( 2 ) سورة الزخرف الآية 19 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 63 .